أبي بكر الكاشاني
139
بدائع الصنائع
يبلغ دما والأصل ان ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة لما نذكر إن شاء الله تعالى وههنا لو ترك جميع الرمي إلى الغد كان عليه دم عند أبي حنيفة فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة الا أن يبلغ دما لما نذكر وان ترك الأكثر منها فعليه دم في قول أبي حنيفة لان في جميعه دم عنده فكذا في أكثره وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب في جميعه دم فكذا في أكثره فان ترك رمى أحد الجمار الثلاث من اليوم الثاني فعليه صدقة لأنه ترك أقل وظيفة اليوم وهو رمى سبع حصيات فكان عليه صدقة إلى أن يصير المتروك أكثر من نصف الوظيفة لان وظيفة كل يوم ثلاث جمار فكان رمى جمرة منها أقلها ولو ترك الكل وهو الجمار الثلاث فيه للزمه عنده دم فيجب في أقلها الصدقة بخلاف اليوم الأول وهو يوم النحر إذا ترك الجمرة فيه وهو سبع حصيات انه يلزمه دم عنده لان سبع حصيات كل وظيفة اليوم الأول فكان تركه بمنزلة ترك كل وظيفة اليوم الثاني والثالث وذلك أحد وعشرون حصاة وترك ثلاث حصيات فيه بمنزلة ترك جمرة تامة من اليوم الثاني والثالث وهي سبع حصيات فان ترك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي وهو اليوم الرابع فإنه يرميها فيه على الترتيب وعليه دم عنده وعندهما لا دم عليه لما بينا ان الرمي مؤقت عنده وعندهما ليس بمؤقت ثم على قوله لا يلزمه الا دم واحد وإن كان ترك وظيفة يوم واحد بانفراده يوجب دما واحدا ومع ذلك لا يجب عليه لتأخير الكل الا دم واحد لان جنس الجناية واحد حظرها احرام واحد من جهة غير متقومة فيكفيها دم واحد كما لو حلق المحرم ربع رأسه انه يجب عليه دم واحد ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضا وكذا لو طيب عضوا واحدا أو طيب أعضاءه كلها أو لبس ثوبا واحدا أو لبس ثيابا كثيرة لا يلزمه في ذلك كله الا دم واحد كذا ههنا بخلاف ما إذا قتل صيودا انه يجب عليه لكل صيد جزاؤه على حدة لان الجهة هناك متقومة فان ترك الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي يسقط عنه الرمي وعليه دم واحد في قولهم جميعا أما سقوط الرمي فلان الرمي عبادة مؤقتة والأصل في العبادات المؤقتة إذا فات وقتها ان تسقط وإنما القضاء في بعض العبادات المؤقتة يجب بدليل مبتدأ ثم إنما وجب هناك لمعنى لا يوجد ههنا وهو ان القضاء صرف ماله إلى ما عليه فيستدعى أن يكون جنس الفائت مشروعا في وقت القضاء فيمكنه صرف ماله إلى ما عليه وهذا لا يوجد في الرمي لأنه ليس في غير هذه الأيام رمى مشروع على هيئة مخصوصة ليصرف ماله إلى ما عليه فتعذر القضاء فسقط ضرورة ونظير هذا إذا فاتته صلاة في أيام التشريق فقضاها في غيرها انه يقضيها بلا تكبير لأنه ليس في وقت القضاء تكبير مشروع ليصرف ماله إلى ما عليه فسقط أصلا كذا هذا وأما وجوب الدم فلتركه الواجب عن وقته أما عند أبي حنيفة فظاهر لان رمى كل يوم مؤقت وعندهما ان لم يكن مؤقتا فهو مؤقت بأيام الرمي فقد ترك الواجب عن وقته فان ترك الترتيب في اليوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة فرماها ثم بالوسطى ثم بالتي تلي المسجد ثم ذكر ذلك في يومه فإنه ينبغي ان يعيد الوسطى وجمرة العقبة وان لم يعد أجزأه ولا يعيد الجمرة الأولى أما إعادة الوسطى وجمرة العقبة فلتركه الترتيب فإنه مسنون لان النبي صلى الله عليه وسلم رتب فإذا ترك المسنون تستحب الإعادة ولا يعيد الأولى لأنه إذا أعاد الوسطى والعقبة صارت هي الأولى وان لم يعد الوسطى والعقبة أجزأه لان الرميات مما يجوز ان ينفرد بعضها من بعض بدليل ان يوم النحر يرمى فيه جمرة العقبة ولا يرمى غيرها من الجمار وفيما جاز ان ينفرد البعض من البعض لا يشترط فيه الترتيب كالوضوء بخلاف ترتيب السعي على الطواف انه شرط لأنه السعي لا يجوز ان ينفرد عن الطواف بحال فان رمى كل جمرة بثلاث حصيات ثم ذكر ذلك فإنه يبدأ فيرمى الأولي بأربع حصيات حتى يتم ذلك لان رمى تلك الجمرة غير مرتب على غيره فيجب عليه ان يتم ذلك بأربع حصيات ثم يعيد الوسطى بسبع حصيات لان قدر ما فعل حصل قبل الأولى فيعيد مراعاة للترتيب الا ترى انه لو فعل الكل يعيد فإذا رمى الثلاث أولى أن يعيد وكذلك جمرة العقبة فإن كان قد رمى كل واحدة بأربع حصيات فإنه يرمى كل واحدة بثلاث لان الأربع أكثر الرمي فيقوم مقام الكل فصار كأنه رتب الثاني